إرشيف التصنيف: ‘ذكرياتي’

ماقبل حياتي في المستشفى العسكري

الجمعة, 30 يناير, 2009

كما أخبرتكم سابقا …. كانت الولادة في مستشفى الشميسي بالرياض … وكانت النشأة في حي المنتزه في الرياض ..

لا توجد لدي صور كثيرة في صغري …  أول صورة موجودة لي كان عمري وقتها سنة واحدة فقط .. وعلمت أن خالتي أم سعيد رحمة الله عليها وخالتي أم عمر أخذاني من عزبة مطاوع “بلد أمي رحمة الله عليها” عند أول نزول لنا لمصر بعد ولادتي … أخذاني سيرا على الأقدام الى أقرب مصوراتي … وكانت الصورة ..

لا أذكر كثيرا ذلك البيت الذي سكناه في حي المنتزه …. والذي مكث فيه أهلي لمدة خمس سنوات .. منذ عام 1973م الى عام 1978م .. حيث انتقل أبي الى عمله الجديد في المتشفى العسكري في الرياض … وانتقل بعده للعيش في منزل جديد كان ملاصقا وقتها للمستشفى العسكري … والان أصبح جزءا من حدود المستشفى ….

تبدأ ملامح ذاكرتي في التجميع عندما كان عمري خمس سنوات … في تلك الفيلا التي عشنا فيها سنة واحدة وانتقلنا الى السكن داخل المجمع السكني الخاص بالمستشفى العسكري … والذي مكثنا فيه منذ عام 1978م الى 2000م

أذكر جيدا حديقة الفيلا التي زرعنا فيها المانجا والطماطم والبصل … وذبحنا فيها عجلا “أضحية العيد” … أذكر تلك القطة التي أهداها لي صديق أبي … العم أحمد … والتي أذكر حزني عليها عندما لم اجدها في البيت ذات يوم … ولاأعلم هل هربت أم أن هناك من سهل لها عملية الهروب .

أذكر أيضا زيارة جدتي لأمي “أم منصور” رحمة الله عليها … والتي أحبتنا جدا وكانت تحسن معاملتنا جدا … رحمها الله وأسكنها فسيح جناته … جائتنا من مصر لزيارة أذكر جيدا لحظات الاستمتاع والمرح التي قضيتهم معها رحمة الله عليها.

أول يوم صمته في رمضان كان في ذلك البيت … لم أصم غيره في ذلك الشهر … لكني أذكر جيدا آخر سويعات اليوم عندما كنت أشعر بأن معدتي قد اختفت تماما من الجوع … وكان التشجيع المستمر لي الى ان حققت الانتصار وصمت ذلك اليوم التاريخي.

حاول أبي ادخالي الصف الأول ابتدائي عندما كنت في الخامسة … لكنه مرض واضطر لدخول المستشفى لاجراء عملية المرارة في وقت التسجيل في المدارس … ولم أدخل المدرسة صغيرا كما كان يريد … كما أن روان ابنتي لم تدخل الصف الأول أيضا عند الخامسة والنصف J

بدأت حفظ القرآن في ذلك البيت .. وأذكر أني اتممت حفظ جزء “عم” كاملا في ذلك المنزل وفي ذلك العمر

لا أنسى أبدا تلك الليلة التي شعرت فيها بالاختناق طوال الليل وأنا أبحث عن أمي رحمة الله عليها … ولكنها لم تسمعني ولم تخرج لي … واضطررت للعودة الى سريري باكيا خائفا … أشعر بالاختناق … الى أن نمت . هذا الاحساس لم أنساه أبدا طوال حياتي … وأتمنى ان لا يشعر به أحدا غيري … فالأم في حياة الطفل هي كل حياته … حفظ الله أمهاتنا ورحمهم الله من مات منهم

هذا ما أذكره عن ماقبل دخولي للمدرسة … ولنا عودة في مابعد ذلك من مراحل بإذن الله

البداية

الجمعة, 19 ديسمبر, 2008

البداية كانت عام 1974م. بعد ان انتصر العرب على العدو الصهيوني في حرب أكتوبر العظيمة، وعودة الكرامة الى الشعوب العربية. في عهد زعيم النصر الراحل الرئيس أنور السادات رحمة الله عليه

المكان: أرض الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، في عهد مليكها الراحل جلالة الملك فيصل آل سعود رحمة الله عليه. داخل إحدى غرف مستشفى الشميسي الذي مازال قائما حتى هذه اللحظة.

الزمان:  فجر يوم الثلاثاء 19 مارس 1974م الموافق 25 صفر 1394 هـ.

الحدث: قدومي الى هذه الدنيا … الابن الثالث لاسرة تعيش في بلاد الغربة … والابن الاول لهذه الاسرة في تلك البلاد.

التفاصيل

كانت الاسرة المكونة من أب وأم وولدين في انتظار المولود الثالث لهم … كانت الأمنيات أن تكون مولودة مش مولود. صفاء كان الاسم المعتمد للمولودة المنتظرة “لم تكن أشعة السونار موجودة وقتها ولم يكن معرفة جنس المولود الا بعد الولادة“.

جاءت لحظة الولادة … وشعرت أمي “رحمة الله عليها” ليلا بأعراض الولادة … أخذها أبي الى مستشفى الشميسي حيث كشفت عليها الدكتورة “المصرية” والتي لم تقتنع كثيرا بأن موعد الولادة قد أزف، وطلبت منها مغادرة المستشفى والعودة خلال يومين … برغم كل الالام التي كانت تشعر بها أمي “رحمة الله عليها” … الا ان إهمال تلك الدكتورة ساعد على جعل لحظات الولادة أكثر صعوبة على أمي “رحمة الله عليها”.

عادت أمي “رحمة الله عليها” الى أبي الذي كان ينتظرها في غرفة الانتظار في المستشفى والذي بدوره طلب منها ان تعود الى الدكتورة لتخبرها بأنه قد ذهب وأنه لا مكان لها الا أن تدخل المستشفى وتنتظر الولادة فيه … عانت أمي “رحمة الله عليها” من تعنت تلك الدكتورة التي كانت تعتقد أنها لا تمر حقيقة بأعراض الولادة ولذلك هددتها بأنها لن تهتم بها الا بعد يومين .. وانه لا يوجد مكان لها في المستشفى وأنه لا يوجد مكان لها وسوف تنام في أي مكان … “لا أراكم الله تلك المعاملة المتميزة التي يقدمها المصري لأخيه المصري في بلاد الغربة

ذهبت الدكتورة الى بيتها وتركت أمي “رحمة الله عليها” تعاني ألام الولادة وحيدة دون أي مساعدة … والتي مع ازدياد الالم اضطرت الى الذهاب الى دورة المياه مع لحظات نزول بدايات مياه الولادة … لم تستطع اكمال المشوار الى دورة المياه وجلست أمام الباب من شدة الألم … أرسل الله لها ممرضة محترمة “مصرية أيضا وعلى مااذكر أن اسمها فاطمة” أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما رأت الحالة التي كانت عليها أمي “رحمة الله عليها”. أخذتها فورا الى غرفة الولادة في لحظات كنت أنا قد بدأت فيها الخروج الى هذه الدنيا.

  تمت عملية الولادة على خير والحمد لله … وتبين أن المولود ذكر وليس “صفاء” كما كان متوقعا … سألتها الممرضة بعد مباركتها لها بقدوم العبقري الفذ الى هذه الدنيا “هتسميه ايه ؟” … كان اسمي المتفق عليه قبل الولادة هو “رياض” ضحكت الممرضة واقترحت عليها ان تسميني “دمام” أفضل

اعتنت تلك الممرضة “بارك الله فيها ان كانت ماتزال على قيد الحياة .. ورحمها الله إن كانت توفاها الله” بأمي “رحمة الله عليها” ووفرت غرفة خاصة لها ومعاملة خاصة لها كي تعوضها عن تلك المعاملة السئية التي عانتها من الدكتورة المهملة.

جاء أبي في اليوم الثاني كي يطمئن على حالها … وقام بتغيير الاتفاق واختار لي اسمي الجميل “عبدالرحمن” والذي جعل أمي “رحمة الله عليها” تستغرب وتسأله لماذا التغيير … فأخبرها أننا في بلاد الرحمن وضيوف على الرحمن … فلا يوجد أجمل من اسم عبدالرحمن.

هكذا كانت البداية … وهكذا كانت معاناة تلك الأم العظيمة معي منذ اللحظات الأولى … رحمها الله وأسكنها فسيح جناته